السبت، 2 فبراير، 2013

بأي ذنب قُتلت



 
كانت تجلس بجوار النافذة الوحيدة في منزلها ؛ والذي لم يكن اكثر من غرفة ضيقة تلحق بها دورة مياة صغيرة للغاية . ولكن بالرغم من ذلك لم تشعر قط بضيق تلك الحجرة , و ذلك لبساطة و قلة الاثاث بها . فلم يوجد هناك سوى سرير, و منضدة صغيران, و كرسيان خشبيان بجوار المنضدة. و لا احتاج ان اخبركم ان كل تلك الاشياء كانت بحالة بالية, لذا فهي تستخدمها بكل حرص, حيث انها لا تملك من المال ما يمكنها من شراء اي اثاث جديد, او بحالة افضل. فوق المنضدة كانت هناك مكينة خياطة قديمة هي المصدر الوحيد لقُوتها وقوت عائلتها الصغيرة جدا. وبركن الغرفة كان الموقد العتيق يعلوه بعض الاواني القديمة ولكنها نظيفة .
كما اخبرتكم فان هذه الاسرة صغيرة للغاية . فتلك الحجرة لم يقطنها سواها, و طفلتها الصغيرة التي لم يتبقى لها غيرها اهل بعد وفاة زوجها منذ سنوات .
اعتصرت الذكرى قلبها , لم يكن قد فات منذ رزقهما الله ابنتهما الوحيدة سوى ايام عندما حدث كل شئ . لم يكن الامر غريبا فهم معتادون على تلك الاحداث في تلك البلاد البائسة ؛ هجوم غاشم من جنود الاحتلال على مدينتهم, و خروج الرجال مدافعين عن بيوتهم ... ارضهم .... واعراضهم . بالطبع كان في المقدمة رجلها الذي اسرها يوما برجولته و شجاعته وها هي تلك الرجولة تصبح سببا في حرمانها منه... فهو لم يعد لها بعدها ابدا. او عاد ...فوق محفة يحملها الرجال ولم ترى حتى جسده الذي اسرعوا يوارنه  التراب.

فلسطين... الارض المقدسة في كل الكتب... درة بلاد الارض... مصنع الرجال ... تلك هي بلادها العتيقة كما اسمتها فيروز باغانيها ... لا يهم اسم البلدة او المدينة .... فكلهم منكوبون بنفس نكبة الاحتلال والاستيطان ... و قمة مآساتها عندما اقيمت تلك المستوطنة المقيتة بالقرب المنطقة التي تسكن بها ... كانت وردة –ابنتها- لازالت رضيعة عندما وقفت هناك تشاهدهم يطردون سكان البلدة من بيوتهم وتزحف معداتهم المفترسة لتخفي معالم يوما كانت ملك لبلادها... كانت تعلم ان الدور قد اقترب منها و من جيرانها في يوم ما ستصبح ارضهم  المستوطنة الجديدة. اقسمت منذ ذالك الوقت ان لا تترك ارضها او منزلها هي او ابنتها ابدا... فان ارادوا الارض فليكن بعد ان يضطروا لازاحة جثتها اولا. وبالرغم من تلك الذكريات السوداء الا انها ابتسمت في فخر .. و ازاحت الحزن جانبا ؛ زوجي بطل, لازلت احيا فوق ارض جدودي, وها هي نعمة الله علي في ابنتي وردة حفظها الله , فلا مجال للاحزان.
كانت جالسة بجانب النافذة سابحة في  بحور الذكريات منتظرة عودة وردة. لم تستطع الصمود امام دموعها وهي تطالبها بالخروج للعب مع اقرانها فوافقت رغم عنها .
كانت النافذة الصغيرة للحجرة مطلة على الشارع وكانت تكشف مسافة من الطريق المؤدي لمدخل الشارع الضيق و لكنها لا تكشف المدخل نفسه . ولما كان الاطفال لا يلعبون سوى عند مدخل الطريق  لاتساعه فلم تكن تراهم من مكانها وذاك ما كان دائما يزيد قلقها. خاصة اليوم وقد تاخر الاطفال في عودتهم حقاً و هي لم تعد تحتمل ذلك الانتظار الموحش.
كانت تهم بالخروج حين لمحت على الطريق مجموعة من الاطفال آتين. لم تكن تتبين ملامحهم ولكن لابد و انهم اصدقاء وردة . اقترب الاطفال اكثر ولم تتبين ابنتها وسط المجموعة فبدأ الخوف يزداد اكثر فاكثر بقلبها. و لكن ما اطار لبها حقا و صدمها ذالك الرجل يمشي بين الاطفال يحمل جسد صغير يلبس فستان ازرق ليس بغريب عن عينيها انهاهي بلا شك .
خرجت الام حافية القدمين عارية الراس تهرول ناحية الرجل والاطفال تدعو الله ان تكون عيناها كاذبتين, ولكن لم يكن الجسد بين يدي الرجل سوى جسد وردة. الطفلة التي خرجت تلعب مع الاطفال فابتعدوا عن منازلهم ابتغاء ارض واسعة تحتويهم بطفولتهم البريئة والعابهم الشقية ... فلم يجدوا سوى تلك الارض البعيدة  التي تفصل منازلهم عن مستوطنة ... تلك الطفلة التي رات من بعيد رجل يقف وحيدا فاعتقدت بفطرتها البريئة انها لو ذهبت لمداعبته لتقبل ذلك مرحا كما يفعل كل اهل اصدقائها و جيرانها... تلك الطفلة التي اقبلت على الجندي بابتسامة فعاجلها برصاصة عقابا لها على انتهاك طبيعته السادية ببراءتها الطفولية ... كان نصيبها رصاصة باردة لا تحمل الرحمة وانما تحمل حقد و كراهية ملؤوا قلب صاحب الرصاصة الذي لم يتوقف لثانية واحدة ليسال نفسه ما الخطر الذي قد تشكله طفلة بريئة تقترب بابتسامة حانية... ولكن مثله كمثل بني جلدته لم يعد لتلك المعاني مكان بقموسهم ... الحب ... الرحمة ... البراة ... كلها كلمات من عوالم اخرى لا تمت لعالمهم الاجرامي بصلة ... اطلق الرصاصة باعصاب قوية وقلب بارد متخيل ان هذا قد يفتت قلب اعداءه مستمتعا بهذا الاثر الذي راقه كثيراً كما تمنى ان يرى دموع اهل الفتاة عندما يرون جثة ابنتهم ... ابتسم في سادية متوحشة والاطفال يهربون من المكان دون ان يجرؤوا حتى على اصطحاب جثة صديقتهم فهم ينون ان يستعينوا باول من يقابلونه من جيرانهم او احد ابائهم. سقطت وردة بلا حراك ولم تفارق وجهها الابتسامة وحملوها لامها المذهولة التي احتضنت الجسد الصغير تقلب النظرات الدامعة الملتاعة في الوجوه التي تجمعت حولها بغرض مواساتها لم ترد مواساة ولكن ارادت ان تعرف اجابة عن سؤال واحد صرخت به عينيها قبل ان ينطق اللسان:
ماذا جنت لتُقتل تلك الطفلة البريئة؟ ما الجرم الذي قد تقترفه من هي بسنها لتستحق تلك الميتة البشعة؟ ماذا بحق الله؟

هناك 7 تعليقات:

  1. وجعتنى .... بس كالعادة رائعة يا منة

    ردحذف
    الردود
    1. تسلميلي يا بطوط :)و الف سلامة عليكي من الوجع

      حذف
  2. :( تسلمى منة على الرقى ده ♥

    ردحذف
    الردود
    1. ميرسي كتير :) ده من ذوقك
      و بجد تعليقك شرفني :)

      حذف
  3. وجعتي قلبي يا منون
    بس اسلوبك فعلا رائع
    متالقه كالعادة يا حبيبتي

    ردحذف
    الردود
    1. سلامة قلبك يا منون
      برضه من بعض ما عندكم يا جميل ^_^

      حذف
  4. حلوة اوى يا من بجد دخلتى فى عمق جراح اخوتنا الفلسطنين

    ردحذف