الجمعة، 28 مارس، 2014

احتكاك (2)



اخيرا هو الطريق الي المنزل , بالطبع لن يكون الطريق مريح جدا ,فنحن في اخر ايام الشهر و ما معه من نقود لن يسمح  له بان يركب سيارة اجرة –تاكسي- مكيفة و مريحة . فقط يتيح له ما معه من جنيهات قليلة ان يركب احدى المواصلات العامة ... لقد حاول سامح ان يقنعه بان يوصله بسيارته و لكنه رفضرباه ...ذلك الحر الرهيب والذي يبدو وكانه ينبعث من احدى بوابات الجحيم ذاته ... و الطرق المزدحمة والارهاق الذي يحتل كل ذرة من كياني.... لكن القدر لم يكن شحيح او قاسي جدا ...فلم يحرمه من احدي الحافلات الصغيرة – ميني باص- القليلة الازدحام والتي وجد بداخلها مقعد فارغ بسهولة شديدة ...فقط تمنى الا يكون الشخص الذي سياتي ليجلس بالمقعد المجاور الفارغ محملا برائحة العرق وغبار الطريق ...فمعدته المتقلصة من طعام المحلات الرخيصة الذي يضطر ان يقتات عليه في اخر اسبوع من كل شهر لن تحتمل هذا ابدا ...
ويبدو ان القدر كان يعمل لصالحه تلك المرة ايضا ...ففي اللحظة التي تلت جلوسه على المقعد صعدت فتاة يبدو عليها الملاحة والرقة وتوجهت للجلوس بالمقعد المجاور له بعد ان اهدته ابتسامة رقيقة خجول.
ابتسم لها في هدوء بطبيعة الحال ثم عاد ينظر للشارع من خلال زجاج الحافلة التي بدات في التحرك ببطئ شديد بسبب الزحام ... سرحت افكاره قليلا في ابتسامة الفتاة الجميلة .. تخيل كيف يمكن لو كان في وضع افضل او مكان افضل من تلك الحافلة الضيقة التي تحملهم في هذا الجو القائظ بين شوارع المدينة المكتظة بالسيارات ...لربما كان هناك من مجال لتجاذب الحديث معها دون ان ترتاب هي في انه يحاول معاكستها ...ربما استطاع ان يتعرف عليها ...و ربما اصبحا اصدقاء او ربما ......
ولكن ما هذا ... انها الفتاة التي تجلس بجواره ...يبدو وانها كانت تتململ في مكانها بسبب الحر مما ادى الي احتكاك جسدها الصغير بجانبه .... انتبه الي انها كانت تقريبا ملتصقة به يبدو ان مقعدها كان صغير جدا لدرجة انه لم يكفي لاحتواء جسدها الصغير او ربما هي تبتعد بقدر الامكان عن احتكاك المارين في الممر الضيق بالعربة ...و قد يكون هو الجالس بحرية زائدة مما جعل مجلسه ملاصق لمجلسها دون ان يشعر .
شعر بالضيق واعتدل في مجلسه حتى يبتعد عن جسدها ويترك لها مساحة يمكنها ان تجلس فيها بشئ من الراحة دون الالتصاق به.
عاد لينظر من خلال زجاج الحافلة للشارع البطيئ و بدأ يسرح مرة اخرى مع افكار شتى و بعد لحظات تكرر الموقف مرة اخرى ... انتبه فاجاة على جسد الفتاة وهي تحتك به للمرة الثانية بطريقة فجة تلك المرة ... احس انها لم تكن حادثة عارضة وانما هي فعلتها في المرتين عن قصد ...و مما اكد شكوكه انه لمحها تنظر اليه بطرف عينيها وعلى شفتيها شبح ابتسامة ... تلك الفتاة تحتك به عن قصد ... بدا كالملسوع عندما فطن الي الحقيقة ... وانتفض في مكانه ملتفتا تجاهها في حدة والفكرة تلمع في راسه انها تتح...... قبل ان تكتمل الكلمة في ذهنه حدث ما لم يكن يحسب له حساب فلقد انحرفت الحافلة بغتة لليسار مترنحة لتفادي احدى عربات النقل الضخمة بالطريق مما دفع الجالسة بجواره في اتجاهه وفاجاة وبدون اي مقدمات وجدها بين ذراعيه ... وعندما عاودت الحافلة مسارها الاول كان هو يبتعد عنها وكأنه ينبعث من جسدها الف سوط من نار يضربون جسده وبدات هي تبتعد بعد ان احس باصابعها في تلك اللحظات الخاطفة تتحسس جسده وشبح ابتسامة الغواية والرغبة لازال يرتسم على جانب شفتيها ....
تلك الفتاة تدعوه و بكل وضوح اليها ...كل ما فعلته حتى الان يؤكد ..انه ليس احتكاك عارض وليس تحرش حتى ...انها تراوده عن نفسه ...كان من المفترض ان يشعر بالاثارة لذلك الخاطر ولكن بدل من ذلك هو لا يشعر الآن الا بالغثيان المفرط ...يكاد ان يفرغ ما تحتويه معدته التي لازالت تتلوي من الطعام السيئ والتقذذ من تلك المخلوقة التي تجاوره ...اصبح الان على استعداد ان يستبدلها فورا باحدى العمال الذين يملؤون الجو حولهم برائحة الغبار والعرق ... هو متاكد ان هؤلاء سيكونوا انظف بمراحل منها ... انتفض واقفا على عجل وهو يشعر ان رئته اصبحت عاجزة عن تقاسم  نفس الهواء مع هذه المخلوقة ... ابتعد عن المقعد في سرعة واقترب من الباب و بالرغم من انه لم يكن قد وصل بعد الي مقصده فقد نزل تاركا الحافلة لتكمل طريقها بدونه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق