الأحد، 30 مارس، 2014

احتكاك (3)



كانت جالسة بالاتوبيس متحملة ذلك الزحام الفظيع والحر الخانق تحصي الدقائق الطويلة المتبقية حتى تصل الي المنزل اخيرا لا ترجو من الله شئ الا ان تنتهي تلك الدقائق على خير دون اي مشاكل. كان المقعد بجوارها فارغا ينتظر من يملأ فراغه و هذا اكثر ما يخيفها . فهي تعلم جيدا ما يعنيه ان يملأ هذ الفراغ جسد احد هؤلاء الحيوانات التي تملأ الشوارع تبحث عن فريسة سهلة المنال ممن القاهم القدر بين براثن زحام تلك الشورع القاسية فاستباحوا اعراض تلك الفرائس حلالاً خالصاً لانيابهم النهمة ولايديهم السليطة.
كانت لا تزال تتذكر كل تلك الحوادث المتفرقة التي تعرضت لها جراء اضطرارها التنقل في الشوارع بين المواصلات شديدة الزحام بسبب مقر عملها الذي يقع في احدى الاطراف الغربية للعاصمة المزدحمة التي هي ليست مدينتها حتى و بين بيتها الذي يقع في احدى المدن القريبة من الاطراف الشرقية لتلك العاصمة مما يجعلها تقطع كل شوارعها تقريبا كل يوم مرتين.
هي ايضا تتذكر انها قبلت هذا العمل بعد ان كادت ان تفقد الأمل في ان تجد عمل يناسب مؤهلها المتوسط و يدر عليها دخل معقول تستطيع ان تقتات به على فتات الحياة لتظل كما يطلقون عليها تجد ما تحيا به حياة هي اقرب للموت ... تتذكر انها تركت عملها الاول كسكيرتيرة في احدى المكاتب في مدينتها بعد تلك الحادثة مع صاحب هذا المكتب والذي لا يعلم الا الله كيف خرجت منه بدون خسائر بعد ان هاجمها ذلك الحقير اثناء عملها بعد ان قام بصرف الموظفين الاخرين دون ان تشعر هي بذلك ولازالت تذكر كيف انقذها الله من فقدان عذريتها في ذلك اليوم بان الهم احدى زميلاتها بالعودة للمكتب لتستعيد شئ ما قد نسيته بالمكتب ... هربت من بين ايدي صاحب المكتب لتقع فريسة لايدي كل عابر سبيل يقترب منها في الشوارع والمواصلات لتكتشف انهم كلهم ذلك الحيوان الذي لا يهتم سوى لغرائزه الوضيعة 
كانت سابحة في افكارها عندما صعد الشاب مكفهر الوجه نظرت له بارتياب وهو يقترب من الكرسي ويلقي عليه و عليها نظرة مشمئزة ويتركها ليبحث لنفسه عن مكان اخر يجلس به ...
لم تتعجب من نظراته المشمئزة بقدر ما حمدت الله انه لم يقع اختيره على ذلك الكرسي بالذات ليجلس عليه وها هي حدى السيدات البسيطات اقتربت منها وجلست على الكرسي الفارغ..
شعرت بشئ من الارتياح لجلوس السيدة وعادت تحسب الوقت المتبقي تقريبا حتى تصل الي منزلها الآمن لم تكن تدري انها كنت في بعض الاحيان تحرك فمها حركة بسيطة لتقول ما كان يجول بخاطرها ولكنها لاحظت حركة بسيطة من السيدة الجالسة بجوارها وكانت تلتفت لها كثيرا ولكن ما ان شعرت بها والتفتت لترى الي ما تنظر اليه السيدة حتى عادت الاخيرة تنظر امامها بسرعة ...تلاشى الاطمئنان الذي كان قد استقر في قلبها عند جلوس السيدة وبدات تتسأل لماذا تنظر لها تلك المرأة تلك النظرات المريبة ...هل للامر علاقة بشر تضمره لها ..تذكرت دفعة واحدة كل القصص المشابهة التي انتهت بسرقة او بخطف و قتل الضحية ... يا الله هل اهرب من براثن متحرش لأقع في يد قاتلة . نظرت للخلف لتصطدم عيناها بوجه الشاب الذي صعد قبل المرأة و قررعدم الجلوس بجانبها فنظر اليها نظرة نارية جعلتها تعود لتنظر امامها وهي تدعو الله الا يتطور الامر ويصير اسوء. 
في عقلها دارت كل الافكار والاحتمالات التي تنتظرها ..قد تكون لسيدة تحمل معها محقن مخدر و قد تستخدم سلاح لتهديدها او ..... احتمالات عديدة و كلها مخيفة لو فقط تستطيع ان تخبره انها لن تكسب شئ من وراء اي فعل متهور فلمسكينة لم تكن تملك شئ من حطام الدنيا واخر مليم في حقيبته قد دفعته اجرة للاتوبيس اللذان يستقلاه الان .
كانت تختلس النظرات للسيدة بجوارها كل دقيقة لتطمئن انها لن تقوم باي حركة مفاجئة وكانت تعلم ان السيدة ايضا تختلس اليها النظرات كما كانت تتململ كلتاهما في جلساتهم مما جعل كل واحدة منهم تحتك بالاخرى عن غير قصد . 
وفي احدى نظرات السيدتين المختلسة للاخرى اصطدمت العينين ببعضهما و كان من المستحيل ان يتظاهرا بان شئ لم يكن فالتفتت كل منهما بتحفذ تجاه الاخرى و همت كل منهما بقول شئ في الوقت ذاته حين ادركا ما يحدث ...لقد كنت المرأتين خائفتين من بعضهما الاولى تظن ان الثانية سارقة او قاتلة والثانية تظن ان الاولى مجنونة فهي تحدث نفسها باشياء غير مفهومة ...
ادركتا ذلك في الوقت ذاته دون ان يقولا شئ فعيونهم التي التقت في خوف و تحدي في نفس الوقت قالتا الكثير واعترفت بالمعاناة التي تشعر بها كلتاهما مما جعلاهما يرتابوا في كل الناس  ابتسمت كل منهما للاخرى في اعتذار و عادوا لينظروا امامهم من جديد دون ان يلحظوا ما ارتسم على وجوه باقي الركاب من علامات تعجب تجاه موقفهم الغريب 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق